“عقلانية وصامتة”.. آفاق جديدة للعلاقات بين الجزائر والخليج

تتسم العلاقات الخليجية الجزائرية بالاستقرار والهدوء، ويتمسك الجانبان بتبادل الزيارات الرفيعة، رغم وجود اختلاف في المواقف السياسية تجاه الكثير من القضايا العربية.

 

كما تتميز علاقات الجانبين بكونها علاقات ذات بعد تاريخي وتقارب وعوامل مشتركة، ومرت بمحطات صعبة اتسمت بالتوتر والفتور؛ بسبب تداعيات ما عرف بالربيع العربي وانعكاساته على تلك العلاقات، وقيام بعض دول الخليج بالتطبيع مع “إسرائيل”، وغير ذلك من الملفات.

 

قطر.. بعد استثنائي

اكتسبت زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى قطر بُعداً استثنائياً من حيث توقيتها؛ لكونها جاءت قبل انعقاد القمة العربية التي ستستضيفها الجزائر، كما أنها تزامنت مع القمة السادسة لرؤساء الدول الأعضاء في منتدى الدول المصدرة للغاز بالدوحة.

 

والدولتان من أكبر منتجي ومصدري الغاز الطبيعي في العالم، كما أنهما بلدان محوريان في إطار جامعة الدول العربية وفي المحيط الإقليمي، تجمعهما رؤى واحدة ومواقف مشتركة تجاه الكثير من المصالح الثنائية والقضايا العربية والدولية والأمن والسلام في العالم.

 

وتشير وكالة الأنباء الجزائرية إلى أن زيارة تبون كانت حافلة باللقاءات الثنائية مع كبار المسؤولين في الدولة، قبل أن يشارك، الثلاثاء 22 فبراير، في القمة السادسة لمنتدى البلدان المصدرة للغاز التي احتضنتها الدوحة.

 

وسمحت الزيارة لقائدي البلدين بعقد محادثات ثنائية موسعة بُحثت خلالها سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطويرها في كافة المجالات، ولا سيما في القطاعات الاقتصادية والتجارية والغاز، مع تأكيد “العمل على تنسيق مواقفهما بما يخدم مصالحهما ويعزز الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم”، حسب البيان الختامي المشترك للزيارة.

كما استعرض الجانبان مستجدات الأوضاع المتغيرة على الساحة الدولية، وانعكاساتها على المنطقة العربية، مؤكدين ضرورة السعي لإرساء علاقات دولية متوازنة تحتكم لميثاق الأمم المتحدة، وعلى إعلاء قيم الوحدة والتضامن بين الدول العربية.

 

وبالمناسبة ثمن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني “جهود الرئيس تبون وحرصه على توفير الأجواء المواتية لنجاح القمة العربية” المرتقبة في الجزائر، مؤكداً “استعداد دولة قطر لمساندة هذه المساعي الحميدة والمساهمة في تحقيق النتائج المرجوة منها، خاصة في ظل التحديات المشتركة التي تواجه الدول العربية على مختلف الأصعدة”.

 

كما تم التطرق لآفاق حشد المزيد من الدعم الدولي للقضية الفلسطينية، ولضرورة بلورة حلول سلمية تحقق تطلعات الشعوب العربية “بعيداً عن التدخلات الخارجية”.

 

وساهمت الزيارة التي أجراها أمير قطر إلى الجزائر، في فبراير 2020، في ترسيخ التعاون بين البلدين على كافة الأصعدة، لا سيما على المستويين الاقتصادي والاستثماري، اللذين يشهدان نمواً مطرداً وسريعاً.

 

الكويت.. أواصر متأصلة

وبعد انتهاء زيارته إلى قطر توجه الرئيس الجزائري إلى الكويت في محطته الخليجية الثانية، وكان على رأس مستقبلي تبون بمطار الكويت ولي العهد، الشيخ مشعل الأحمد، ورئيس مجلس الأمة مرزوق علي الغانم، والشيخ صباح الخالد رئيس مجلس الوزراء وكبار المسؤولين بالدولة.

 

وأفاد بيان للرئاسة الجزائرية بأن زيارة تبون للكويت “تهدف إلى توطيد العلاقات الثنائية وتعزيز أواصر الأخوة المتأصلة بين الشعبين الشقيقين”.

 

وتلفت وكالة الأنباء الجزائرية إلى الاتفاق على “إعطاء زخم أكبر” للتعاون بين الجزائر والكويت في كافة المجالات، مع وضع الآليات المناسبة والاتفاقيات التي تعكس هذه الرغبة وترسخ التشاور والتنسيق السياسي، وتشجع الاستثمارات المباشرة للقطاعين العام والخاص، وتعزز كذلك التعاون في مجال المحروقات.

 

وتطرق تبون إلى إمكانية فتح خطين بحريين بين الجزائر من جهة، وقطر والكويت من جهة أخرى، إلى جانب تجسيد عدة مشاريع استثمارية ثنائية في مجالات الصناعة والنقل وغيرها.

 

ونقلت صحفية العرب، في 22 فبراير الجاري، عن أوساط سياسية كويتية أن الرئيس تبون ناقش ملف القمة العربية، بعد أن تم تأجيل موعدها المقرر في مارس 2022، لدوافع قالت الجزائر إن لها علاقة بالوضع الوبائي، لكن مراقبين ربطوا التأجيل بغياب حماسة عربية، ولا سيما خليجية، للحضور.

 

السعودية.. الدبلوماسية الصامتة

وفي مطلع العام الجاري، وصل وزير داخلية السعودية الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف إلى الجزائر؛ لـ”بحث تعزيز العلاقات وقضايا مشتركة”.

 

وأفادت وكالة الأنباء السعودية بأنه “كان في استقبال الوزير لدى وصوله إلى مطار هواري بو مدين الدولي نظيره الجزائري كمال بلجود، وسفير المملكة عبد الله البصيري، وعدد من كبار المسؤولين”، دون تفاصيل أكثر.

 

ويصف المركز المغاربي للدراسات والتحاليل، في ديسمبر 2019، العلاقات الجزائرية – السعودية في السنوات الأخيرة بـ”الدبلوماسية الصامتة”، فرغم حرص المسؤولين في البلدين على إظهار العلاقات في وضعها الطبيعي من خلال تبادل الزيارات، فإن ذلك لا ينفي وجود اختلافات في المواقف تجاه بعض القضايا الإقليمية، وتحديداً في القضية السورية، وبدرجة أقل في القضية اليمنية.

 

وشهدت الفترة الأخيرة مساعي حثيثة من البلدين لمزيد من التقارب من خلال زيارات متبادلة هدفها دفع عجلة التعاون الاقتصادي، وتقريب وجهات النظر في القضايا السياسية الإقليمية الراهنة، وهو ما أسفر عن توقيع البلدين العديد من الاتفاقيات في مجالات عدة.

الإمارات.. عودة الدفء

وتؤشر زيارة الوزير الأول الجزائري أيمن بن عبد الرحمن إلى الإمارات، في نوفمبر 2021، إلى وجود تقدم إيجابي في العلاقات بين البلدين بعد “جفاء سياسي” استمر عدة أشهر.

 

وتنقل صحيفة “أصوات مغاربية”، في نوفمبر 2021، عن الوزير الجزائري قوله خلال مشاركته بمعرض “إكسبو 2020 دبي” بوجود “علاقات اقتصادية متنوعة وثرية تجمع بين بلدين يعملان بكل عزم على تعزيزها، لا سيما في مجال الاستثمار بما يحقق طموحاتهما المشتركة في مزيد من النمو والرفاه، وبما يوظف قدراتهما الهائلة”.

 

وتطورت العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين بشكل ملحوظ خلال السنوات العشر الأخيرة بفضل المشاريع الثنائية التي أقامها الجانبان، وبلغت مستويات قياسية، كما تميزت بإقامة صفقات نوعية، مثلما هو الأمر بالنسبة إلى مشروع تصنيع سيارات “مرسيدس” مع الطرف الألماني.

 

وظلت العلاقات بين الجانبين على هذا الحال إلى غاية الفترة التي سبقت الحراك الشعبي بالجزائر وما تلاها من تحولات سياسية انتهت بانتخاب عبد المجيد تبون، في ديسمبر 2019، رئيساً جديداً للبلاد خلفاً لعبد العزيز بوتفليقة.

 

حينها تحدث العديد من التقارير الإعلامية عن وجود “توتر صامت” بين الجزائر وأبوظبي، خاصة بعد إعلان الرئيس تبون موقف بلاده الرافض للتطبيع مع “إسرائيل”، بالإضافة إلى حديثه عن الملف الليبي وتأكيده أن “طرابلس خط أحمر”.

 

البحرين.. فتور طويل

أما علاقات الجزائر مع البحرين فلا تتسم بأي شيء مميز يقتضي الإشارة إليه؛ بسبب “انعدام أي ثقل سياسي أو عسكري أو اقتصادي للمنامة تهتم به الجزائر”، وفق المركز المغاربي للدراسات والتحاليل.

 

وينوه المركز بأن كل الذين يحرصون على إيجاد مدخل لأي نوع من العلاقات التاريخية بين البلدين لا يجدون سوى العلاقات الشكلية وامتداداتها الراهنة.

 

سلطنة عمان.. توافق الرؤى

وكشف سفير الجزائر لدى سلطنة عمان محمد يرقي، عن أن العلاقات بين السلطنة والجزائر متميزة عبر التاريخ المشترك، والتواصل مستمر من خلال التنسيق والتشاور بين البلدين.

 

ونقلت وكالة الأنباء العمانية، في أبريل 2021، عن السفير يرقي قوله إن السلطنة والجزائر لهما آراء ووجهات نظر متطابقة وسياسة تقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

 

وأكد وجود لجنة مشتركة بين البلدين تنعقد دورياً للتشاور في مختلف الجوانب، وكان آخر اجتماع لها في ديسمبر 2019 بالسلطنة، مشيراً إلى أن “التبادل الاقتصادي بين البلدين لم يرقَ إلى المستوى المأمول والمطموح، ونسعى إلى الدفع به إلى الأمام”.

 

ودعا المستثمرين الجزائريين للاستثمار في السلطنة، مشيراً إلى وجود مجالات كثيرة للاستثمار؛ مثل المجال الزراعي أو السياحي أو الصناعي، كما أشار إلى وجود مشروع عماني جزائري كبير يخص البتروكيماويات، وحقق منذ انطلاقه في عام 2014 نجاحات ملموسة.

دبلوماسية عقلانية

ويرى المحلل السياسي إبراهيم دشتي أن العلاقات الجزائرية الخليجية علاقة تاريخية متينة، وليست وليدة اليوم، حيث تتمتع الجزائر بعلاقات دبلوماسية جيدة مع دول الخليج، وهي داعمة للعديد من المواقف والأزمات الخليجية، ومنها موقف القيادة والحكومة الجزائرية خلال احتياج الجيش العراقي لدولة الكويت، في مطلع التسعينيات، وغيرها من المواقف خلال العقود الماضية.

 

ويضيف في حديثه مع “الخليج أونلاين” أن “الجزائر تمارس الدبلوماسية بعقلانية بعيداً عن لغة المصالح، وبعيداً عن اللغة العاطفية التي تمارسها بعض الدول لتحقيق أجندات مؤقتة”.

 

ويردف بالقول: “الجزائر تتعامل بذكاء مع المنظومة الخليجية، خصوصاً أن لدى دول الخليج نوعاً من التباين في منظومتها في بعض القضايا، كقضية التطبيع وقضية الأزمة الخليجية أو العلاقة مع إيران وغيرها، فالجزائر تتعامل بذكاء وحنكة مع ذلك”.

 

ويبين دشتي أن الزيارة الأخيرة للرئيس الجزائري إلى الخليج، والتي شملت بعض دول المنطقة، “نوع من توطيد العلاقات الجزائرية الخليجية، وكذلك تبادل وجهات النظر في بعض القضايا الإقليمية أو الدولية”.

 

ويضيف المحلل السياسي أن “الزيارة كانت ناجحة دون التطرق إلى تفاصيلها، ولكن من الواضح أنع في زيارته الأخيرة لقطر تناول موضوع منتدى الغاز الذي تشترك فيه 11 دولة”، بحسب دشتي.

 

ويؤكد بالقول: “الجزائر وقطر من الدول المهمة في هذا الملف، خصوصاً الفترة الحالية، ونحن نتحدث على قضية الغاز أو حتى البترول في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا، ولا سيما أن روسيا تصدر نحو ثلث الغاز لأوروبا، وهذه الكمية ليست ببسيطة، فالغاز الروسي هو من يأتي بالدفء إلى أوروبا”.

المصدر: الخليج اونلاين 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
google-site-verification: google3b1f217d5975dd49.html