دخل ملف المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة سياسية شديدة الحساسية، مع تكثيف قطر اتصالاتها بين واشنطن وطهران في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة تسمح بالعودة إلى اتفاق سياسي يوقف القتال ويعالج أزمة مضيق هرمز، في وقت لا تزال فيه الخلافات الأساسية بين الطرفين قائمة حول البرنامج النووي والعقوبات والترتيبات الأمنية الإقليمية.
وتأتي الحركة الدبلوماسية الجديدة بعد أشهر من التصعيد الذي انعكس بصورة مباشرة على أمن الخليج وحركة الملاحة وأسواق الطاقة، وحوّل أي تطور في المحادثات الأميركية الإيرانية إلى ملف لا يخص الدولتين وحدهما، بل يمتد أثره إلى مختلف دول الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.
وبحسب وكالة رويترز، أكدت الدوحة أنها تعمل عبر تبادل الرسائل بين الطرفين، على أمل بناء أرضية مشتركة يمكن أن تقود إلى اتفاق يحد من تداعيات النزاع. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري إن قطر تعمل على تقريب المواقف في إطار اتصالات دبلوماسية مستمرة.
قطر تعيد فتح قناة التفاوض
التحرك القطري ليس منفصلًا عن جهود سابقة استهدفت منع اتساع المواجهة.
فالدوحة كانت قد أكدت خلال الأشهر الماضية استمرار قنوات الاتصال المتعلقة بالمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، بالتنسيق مع شركاء إقليميين، مع التشديد على أن الأولوية تتمثل في احتواء التصعيد وإعادة المسار السياسي إلى الواجهة.
وزارة الخارجية القطرية أعلنت في آب الماضي أن قطر، إلى جانب سلطنة عُمان وباكستان، تعمل على تسهيل التواصل وتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، مؤكدة أن دول مجلس التعاون الخليجي تتابع بدورها جهود خفض التوتر بسبب انعكاساته المباشرة على أمن المنطقة واقتصاداتها.
لكن التحركات الجارية حاليًا اكتسبت أهمية إضافية مع عودة الاتصالات غير المباشرة بين المسؤولين الأميركيين والإيرانيين عبر الوسطاء، بعد أن فشلت المفاوضات السابقة في إنتاج تسوية دائمة.
وتفيد رويترز بأن مسؤولين من الجانبين أجروا اتصالات منفصلة مع الوسطاء القطريين، في مؤشر إلى بقاء القناة الدبلوماسية مفتوحة رغم استمرار الخلاف السياسي والعسكري.
ماذا تريد إيران؟
تدفع طهران باتجاه تسوية تشمل وقف العمليات القتالية وتخفيف الضغوط الاقتصادية، بالتزامن مع معالجة ملف الملاحة في مضيق هرمز.
وخلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، طرحت إيران تصورًا يتضمن مهلة سبعة أيام تقود إلى إعادة فتح المضيق بصورة أوسع ووقف القتال، وفق ما أوردته رويترز.
لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض المقترح، فيما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن طهران لم تتلق في حينه رفضًا أميركيًا رسميًا عبر الوسطاء.
في الوقت نفسه، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استعداد بلاده لمناقشة البرنامج النووي وملفات أخرى عبر التفاوض، مع تأكيده رفض ما وصفه بالضغط أو الإكراه في المفاوضات.
وهنا تظهر واحدة من أعقد نقاط التفاوض: الولايات المتحدة تريد ضمانات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وبالأمن الإقليمي، بينما تسعى إيران إلى تخفيف العقوبات والحصول على ترتيبات تسمح بإعادة تنشيط اقتصادها وتخفيف القيود المفروضة عليها.
واشنطن تنفي عرض تخفيف العقوبات
التعقيد الأكبر ظهر مع تداول تقارير تحدثت عن إمكانية تقديم واشنطن تخفيفًا للعقوبات أو السماح بالإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل تنازلات تتعلق بالبرنامج النووي.
لكن ترامب نفى في 29 أيلول تقديم مثل هذا العرض، مؤكدًا أن إدارته لم تعرض على إيران تخفيف العقوبات من أجل إنهاء الحرب.
هذا النفي يكشف حجم الفجوة التي لا تزال تفصل بين وجود مفاوضات فعلية وبين الوصول إلى اتفاق نهائي.
فالاتصالات الدبلوماسية لا تعني أن الصفقة أصبحت جاهزة، كما أن تبادل الرسائل عبر الوسطاء لا يعني أن الطرفين اتفقا على الترتيب الزمني للخطوات المطلوبة.
وغالبًا ما تكون مسألة التسلسل من أصعب عناصر الاتفاقات: هل تبدأ إيران بخطوات نووية وأمنية قبل رفع العقوبات، أم تقدم واشنطن إجراءات اقتصادية أولية مقابل خطوات إيرانية متزامنة؟
هذه التفاصيل يمكن أن تحدد ما إذا كانت المفاوضات ستنتقل إلى اتفاق قابل للتنفيذ أو تعود مرة أخرى إلى نقطة التعطيل.
هرمز في قلب المفاوضات
ولا يمكن فصل المفاوضات عن مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة عالميًا.
فالتوتر في المضيق وفرض قيود على حركة ناقلات النفط أديا خلال الأشهر الماضية إلى اضطرابات في أسواق الطاقة، بينما تحاول الدول المستهلكة والمنتجة حماية حركة الإمدادات.
وتؤكد قطر منذ أشهر أن حرية الملاحة في المضيق تمثل عنصرًا أساسيًا في أي تسوية، باعتباره ممرًا دوليًا يؤثر تعطيله على اقتصادات المنطقة والأسواق العالمية.
وتوضح بيانات الأسواق حجم الترابط بين السياسة والطاقة. فقد أغلقت أسعار النفط جلسة الثلاثاء على انخفاض بنحو 2.5% مع ظهور إشارات على تعافي صادرات النفط من الشرق الأوسط، إلا أن الأسعار بقيت متأثرة بالمخاوف المرتبطة باستمرار الصراع واضطرابات الإمدادات.
الخليج يراقب نتيجة المفاوضات
بالنسبة إلى دول الخليج، لا يتعلق الملف فقط بالعلاقة بين واشنطن وطهران.
أي اتفاق محتمل يمكن أن يؤثر في أمن الملاحة، أسعار النفط، العمليات العسكرية في المنطقة، العلاقة بين إيران وجيرانها، والتوازنات المرتبطة باليمن والعراق ولبنان.
ولهذا تحاول دول إقليمية متعددة دفع الأزمة باتجاه مسار تفاوضي، حتى عندما تختلف في مقارباتها السياسية والأمنية.
كما أن استمرار المواجهة يرفع كلفة التأمين والشحن ويزيد المخاطر على البنية التحتية للطاقة، فيما يمكن لأي تفاهم حول المضيق أن ينعكس سريعًا على حركة الأسواق.
اتفاق شامل أم هدنة مرحلية؟
السؤال الأساسي الآن لا يتعلق بوجود اتصالات، فهي قائمة بالفعل، وإنما بنوع الاتفاق الممكن الوصول إليه.
أحد الاحتمالات هو التوصل إلى تفاهم مرحلي يركز بداية على وقف التصعيد وحرية الملاحة في مضيق هرمز، على أن تُترك الملفات الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها البرنامج النووي والعقوبات، لمراحل تفاوضية لاحقة.
أما المسار الأكثر طموحًا فيتطلب اتفاقًا أوسع يربط وقف الأعمال العسكرية بالبرنامج النووي والعقوبات والأموال المجمدة والترتيبات الأمنية.
لكن المعطيات المتاحة حتى الآن لا تؤكد التوصل إلى صيغة نهائية، ولا تزال المواقف المعلنة من الجانبين تكشف خلافات جوهرية بشأن الشروط والتنازلات المطلوبة.
الأيام المقبلة قد تحدد اتجاه الأزمة
عودة الوساطة إلى الواجهة تمثل تحولًا مهمًا في المشهد السياسي الإقليمي، لكنها لا تعني أن التسوية أصبحت محسومة.
ما يمكن تأكيده حتى الآن هو أن واشنطن وطهران لم تغلقا الباب أمام التواصل، وأن قطر وشركاء إقليميين يواصلون محاولة تحويل هذا التواصل إلى مسار تفاوضي قادر على إنتاج اتفاق.
وفي المقابل، لا تزال العقوبات الأميركية قائمة، ولا يزال الخلاف بشأن البرنامج النووي وشروط وقف القتال ومضيق هرمز دون حل نهائي.
لذلك ستكون المؤشرات الأهم خلال المرحلة المقبلة هي ما إذا كانت الاتصالات غير المباشرة ستنتقل إلى مفاوضات أكثر انتظامًا، وما إذا كان الطرفان سيتمكنان من الاتفاق على خطوات متزامنة تخفض التصعيد.
وبين ضغط الحرب وكلفة الطاقة والحاجة إلى حماية الملاحة، يبدو أن ملف واشنطن وطهران ومضيق هرمز سيبقى في صدارة المشهد السياسي في الشرق الأوسط، ليس بسبب التصريحات وحدها، بل لأن نتيجة المفاوضات يمكن أن تنعكس مباشرة على الأمن والاقتصاد وأسواق الطاقة في المنطقة بأكملها.
المصادر: وكالة رويترز، وزارة الخارجية القطرية.
