حسام موافي يطرح تساؤلات حول زراعة الأعضاء من المحكوم عليهم بالإعدام

أعاد مقترح يتعلق بإمكانية الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام لإنقاذ مرضى يحتاجون إلى عمليات زراعة، واحدًا من أكثر الملفات الطبية والأخلاقية حساسية إلى واجهة النقاش في مصر، بعدما أثار الطرح موجة واسعة من الجدل بين أطباء وقانونيين ورجال دين حول حدود التبرع، وحرمة الجسد، ومدى قدرة المحكوم عليه على اتخاذ قرار حر في ظروف استثنائية.

وبدأ الجدل بعد طرح أستاذ طب الحالات الحرجة بكلية طب قصر العيني الدكتور حسام موافي تساؤلًا حول إمكانية الاستفادة من بعض أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام، مثل الكلى والقلب والكبد والقرنيات، لإنقاذ مرضى قد تكون زراعة الأعضاء فرصتهم الوحيدة للاستمرار في الحياة.

لكن المسألة سرعان ما تجاوزت بعدها الطبي لتدخل مباشرة في مجموعة معقدة من الأسئلة: هل يمكن اعتبار موافقة المحكوم عليه بالإعدام تبرعًا حرًا؟ وهل يسمح القانون بذلك؟ ومتى يمكن اعتبار الإنسان متوفى بصورة تسمح طبيًا وقانونيًا باستئصال أعضائه؟

هذه الأسئلة جعلت الملف واحدًا من أكثر الموضوعات الصحية نقاشًا خلال الساعات الأخيرة.

حسام موافي يطرح تساؤلات حول زراعة الأعضاء من المحكوم عليهم بالإعدام

إنقاذ حياة المرضى.. لكن بأي شروط؟

من الناحية الطبية، تمثل زراعة الأعضاء العلاج الوحيد لبعض حالات الفشل العضوي المتقدم، خصوصًا لدى مرضى الكلى والكبد والقلب.

ويواجه كثير من الأنظمة الصحية حول العالم فجوة بين عدد المرضى الموجودين على قوائم الانتظار وعدد الأعضاء المتاحة للزراعة، وهو ما يدفع باستمرار إلى البحث عن وسائل قانونية وأخلاقية لزيادة معدلات التبرع.

لكن زيادة عدد الأعضاء المتاحة لا يمكن فصلها عن المبادئ الأساسية التي تحكم زراعة الأعضاء، وفي مقدمتها الموافقة الحرة، ومنع الاتجار بالأعضاء، وحماية المتبرع، واستقلال قرار التبرع عن أي ضغط خارجي.

ولهذا اعترضت نقابة الأطباء المصرية على طرح ربط المحكوم عليهم بالإعدام بمنظومة التبرع.

وقال نقيب الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي إن المحكوم عليه بالإعدام «مواطن عوقب على جريمته»، وإن العقوبة لا تمنح الآخرين حق استخدام أعضائه، مشددًا على أن التبرع يجب أن يقوم على قواعد قانونية وأخلاقية واضحة.

هل يملك المحكوم عليه إرادة حرة؟

ربما تكون هذه النقطة هي الأكثر تعقيدًا في الملف.

المبدأ الأساسي في التبرع بالأعضاء هو أن تصدر الموافقة عن الشخص بإرادة حرة ومن دون إكراه مادي أو معنوي.

لكن المعارضين لتطبيق الفكرة على المحكوم عليهم بالإعدام يرون أن الشخص الذي ينتظر تنفيذ حكم نهائي بحقه يعيش ظروفًا نفسية وقانونية استثنائية تجعل تقييم حرية قراره أكثر صعوبة.

أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية الشيخ هشام ربيع اعتبر أن الضوابط المطلوبة للتبرع يصعب، أو يكاد يستحيل، تحققها في حالة المحكوم عليه بالإعدام، خصوصًا في ما يتعلق بمفهوم الإرادة الحرة وعدم وجود ضغط نفسي أو معنوي على المتبرع.

ويترك ذلك سؤالًا بالغ الحساسية: هل يمكن اعتبار موافقة شخص ينتظر تنفيذ حكم بالإعدام قرارًا مستقلًا تمامًا، أم أن ظروفه تجعل موافقته خاضعة لضغوط لا يمكن تجاهلها؟

وهنا ينتقل الملف من الطب وحده إلى مجال الأخلاقيات الطبية وحقوق الإنسان والقانون.

القانون المصري ينظم زراعة الأعضاء

مصر لديها بالفعل إطار قانوني لتنظيم عمليات نقل وزراعة الأعضاء.

وينص القانون رقم 5 لسنة 2010 بشأن تنظيم زرع الأعضاء البشرية على عدم جواز نقل عضو أو جزء منه أو نسيج من جسم إنسان حي أو ميت إلى إنسان آخر إلا وفق أحكام القانون ولائحته التنفيذية والقرارات المنظمة له.

كما تتضمن التشريعات عقوبات مشددة على المخالفات والعمليات التي تتم خارج الإطار القانوني.

وزارة الصحة المصرية كانت قد أوضحت أن تعديلات أُدخلت على بعض مواد القانون عام 2017، وشملت تشديد العقوبات المتعلقة بعمليات نقل وزراعة الأعضاء المخالفة للقواعد القانونية.

لكن الجدل الحالي يتعلق بما إذا كانت حالة المحكوم عليه بالإعدام يمكن أن تنسجم أصلًا مع الشروط القانونية والأخلاقية التي تقوم عليها منظومة التبرع.

مشكلة أخرى: متى تحدث الوفاة؟

حتى إذا تم تجاوز مسألة الموافقة، تظهر مشكلة طبية وشرعية أخرى تتعلق بتحديد لحظة الوفاة.

نجاح زراعة بعض الأعضاء يعتمد بدرجة كبيرة على سرعة الحصول عليها بعد الوفاة والحفاظ على تدفق الدم والأكسجين إليها ضمن شروط طبية دقيقة.

وهذا يجعل تحديد الموت مسألة جوهرية في طب زراعة الأعضاء.

وأشار أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية إلى أن التصور محل النقاش يثير إشكاليات تتعلق بتوقيت استئصال الأعضاء ومدى تحقق الوفاة وفق الضوابط المطلوبة، محذرًا من أي إجراء يمكن أن يمس بحرمة الجسد أو يتم قبل تحقق الشروط الضرورية.

وهي قضية لا تقتصر على مصر؛ فمعايير تحديد الوفاة والتبرع بعد الوفاة تخضع في مختلف الدول لبروتوكولات طبية وقانونية شديدة الدقة، لأن أي غموض في الفصل بين قرار إنهاء العلاج أو الوفاة وبين قرار الحصول على الأعضاء يمكن أن يضر بثقة الجمهور بمنظومة التبرع بأكملها.

بين الحاجة الطبية والخوف من الاستغلال

المشكلة الأساسية في مثل هذه المقترحات أن الهدف الطبي قد يكون مفهومًا: هناك مرضى يحتاجون إلى أعضاء لإنقاذ حياتهم.

لكن الطب الحديث لا يقيس نجاح منظومة زراعة الأعضاء بعدد العمليات فقط.

الثقة العامة عنصر أساسي.

إذا شعر الناس بأن بعض الفئات يمكن أن تتحول إلى مصدر للأعضاء بسبب وضعها القانوني أو الاجتماعي، فقد تكون النتيجة عكسية، عبر زيادة الخوف من التبرع بدل تشجيعه.

ولهذا تعتمد الأنظمة الحديثة على فصل واضح بين علاج المريض أو التعامل مع المتوفى من جهة، وفريق زراعة الأعضاء من جهة أخرى، مع وجود موافقات وإجراءات ورقابة مستقلة.

وفي مصر، شددت أصوات طبية وقانونية شاركت في النقاش الحالي على ضرورة عدم تحويل الحاجة إلى الأعضاء إلى مبرر لتجاوز حق الإنسان في جسده أو مبدأ الموافقة الحرة. في المقابل، أشار بعض المشاركين في النقاش إلى أن القانون لا يمنع التبرع لمجرد أن الشخص محكوم عليه إذا تحققت جميع الشروط القانونية والطبية المطلوبة، وهو ما يوضح أن النقاش لم يُحسم بصورة بسيطة.

المشكلة الأكبر هي نقص المتبرعين

بعيدًا عن الجدل حول المحكوم عليهم بالإعدام، يعيد النقاش تسليط الضوء على التحدي الحقيقي: كيف يمكن زيادة أعداد المتبرعين بالأعضاء بطريقة آمنة وشفافة؟

التجارب الإقليمية تظهر أن بناء برنامج وطني للتبرع بعد الوفاة يمكن أن يرفع أعداد عمليات الزراعة بصورة كبيرة.

ففي الإمارات، أظهرت بيانات منشورة في سبتمبر 2026 تسجيل 595 متبرعًا وإجراء 1026 عملية زراعة أعضاء حتى يونيو 2026 ضمن برامج التبرع والزراعة، مع توسع ملحوظ في البنية الطبية المنظمة لهذا المجال.

كما تجاوز عدد المسجلين في البرنامج الإماراتي للتبرع بالأعضاء عشرات الآلاف، وهو نموذج يوضح أن رفع عدد المتبرعين يمكن أن يأتي من نشر ثقافة التبرع وبناء الثقة في النظام الصحي، وليس بالضرورة من البحث عن فئات استثنائية للحصول على أعضائها.

قضية أكبر من سؤال طبي

القضية التي بدأت بسؤال حول إمكان إنقاذ مرضى تحولت إلى نقاش أوسع حول معنى التبرع نفسه.

فالعضو البشري ليس دواءً يمكن إنتاج المزيد منه، ولا سلعة يمكن إدخالها إلى السوق وفق قواعد العرض والطلب.

ولهذا تقوم منظومة زراعة الأعضاء على توازن شديد الحساسية بين حق المريض في الحصول على فرصة للحياة وحق المتبرع في الكرامة والاختيار الحر وحماية جسده من الاستغلال.

وفي حالة المحكوم عليهم بالإعدام تصبح هذه المعادلة أكثر تعقيدًا، لأن الدولة نفسها هي التي تحتجز الشخص وتنفذ الحكم بحقه، ما يجعل الفصل بين السلطة العقابية ومنظومة الحصول على الأعضاء ضرورة أخلاقية أساسية.

والنتيجة حتى الآن أن الطرح أثار نقاشًا واسعًا، لكنه لم يتحول إلى سياسة معتمدة أو قرار يسمح بالحصول تلقائيًا على أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام.

والأكثر أهمية أن الجدل فتح مجددًا ملفًا يحتاج أصلًا إلى نقاش مجتمعي واسع: كيف يمكن بناء ثقافة تبرع بالأعضاء تحمي الإنسان وفي الوقت نفسه تمنح آلاف المرضى فرصة جديدة للحياة؟

فالحل المستدام لأزمة نقص الأعضاء لا يبدأ بتحويل أي فئة من البشر إلى مصدر إلزامي للأعضاء، بل ببناء منظومة تبرع طوعي موثوقة وشفافة، تحترم قرار الإنسان أثناء حياته وبعد وفاته، وتضمن أن تكون حياة المريض وكرامة المتبرع مبدأين لا يتعارضان.

Exit mobile version