الصحة والحياة

دراسة: التكييف ينقذ آلاف الأرواح سنوياً لكن الإفراط فيه يفاقم العبء المناخي

إعداد The Verificat + وكالات

كشفت دراسة واسعة اعتمدت على تحليل نحو 30 مليون سجل وفاة في الولايات المتحدة خلال 11 عاماً أن استخدام أجهزة التكييف أثناء موجات الحر الشديد أسهم في إنقاذ آلاف الأرواح سنوياً، لكنه في المقابل فتح نقاشاً حول الحد الفاصل بين التبريد الضروري صحياً والاستخدام المفرط الذي يرفع استهلاك الطاقة والانبعاثات.

وقدرت الدراسة أن التكييف ساعد، في المتوسط، على تجنب نحو 5267 وفاة سنوياً مرتبطة بالحر، في نتيجة تؤكد أن التبريد لم يعد مجرد عنصر للراحة في كثير من المناطق الحارة، بل أداة حماية صحية أساسية خلال موجات الحرارة الخطرة.

أكبر فائدة في الولايات الأكثر حرارة

أظهرت النتائج أن الأثر الوقائي للتكييف كان أقوى في الولايات التي تواجه درجات حرارة مرتفعة لفترات أطول، ومن بينها أريزونا وفلوريدا وتكساس ولويزيانا ومناطق أخرى في جنوب الولايات المتحدة.

أما في الولايات الشمالية والأكثر اعتدالاً، فكان الأثر أقل، وهو ما يعكس اختلاف الحاجة الفعلية إلى التبريد بين المناطق.

وتشير الدراسة بذلك إلى أن التعامل مع التكييف لا يمكن أن يقوم على قاعدة واحدة تطبق في كل مكان، لأن المخاطر الصحية تختلف وفق المناخ والرطوبة وتصميم المبنى والحالة الصحية للسكان.

أكثر من نصف الاستخدام قد لا يضيف حماية مماثلة

في المقابل، خلص الباحثون إلى أن جزءاً كبيراً من استخدام التكييف الذي جرى تحليله تجاوز المستوى المطلوب لتحقيق الفائدة الصحية الأساسية.

وتشير النتائج إلى أن أكثر من نصف الاستخدام المدروس يمكن اعتباره تبريداً إضافياً لا يحقق حماية صحية مماثلة لحجم الكهرباء المستهلكة.

وهذا لا يعني أن كل تشغيل إضافي للجهاز يمثل هدراً، لكنه يطرح سؤالاً حول إمكانية تحقيق مستوى الأمان نفسه مع استهلاك أقل للطاقة في عدد كبير من المنازل والمباني.

24 درجة ليست قاعدة للجميع

يقترح الباحثون أن درجة حرارة داخلية قريبة من 24 درجة مئوية يمكن أن تمثل نقطة توازن مناسبة في كثير من الظروف بين الحماية الصحية واستهلاك الطاقة.

لكن الرقم لا ينبغي التعامل معه باعتباره وصفة طبية أو معياراً إلزامياً للجميع.

فكبار السن والرضع والأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة أو يتناولون أدوية تؤثر في قدرة الجسم على تنظيم الحرارة قد يحتاجون إلى درجات أقل أو ترتيبات تبريد مختلفة.

كما أن عامل الرطوبة وجودة العزل والتهوية والتعرض المباشر للشمس يؤثر في الإحساس الفعلي بالحرارة داخل المكان.

التكييف قد ينقذ الحياة.. لكنه يستهلك طاقة ضخمة

المفارقة الأساسية تكمن في أن زيادة درجات الحرارة ترفع الحاجة إلى التكييف، بينما يؤدي تشغيل ملايين الأجهزة إلى زيادة الطلب على الكهرباء.

وعندما تكون الشبكات الكهربائية معتمدة بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري، يترجم ذلك إلى انبعاثات إضافية من غازات الدفيئة، ما يفاقم بدوره الاحترار الذي يزيد الطلب على التبريد.

وهكذا تدخل المدن في حلقة متبادلة: حرارة أعلى تعني تكييفاً أكثر، وتكييف أكثر قد يعني انبعاثات أعلى إذا لم تكن الكهرباء نظيفة.

كفاءة الجهاز تصنع فارقاً كبيراً

ليست جميع أجهزة التكييف متساوية في أثرها البيئي.

فالجهاز الحديث عالي الكفاءة يستطيع إنتاج مستوى التبريد نفسه باستخدام كمية كهرباء أقل بكثير من جهاز قديم أو سيئ الصيانة.

كما أن تحسين العزل، واستخدام الستائر والظل، وإغلاق التسربات الهوائية، وتحسين تصميم النوافذ والأسطح يمكن أن يخفض الحمل المطلوب من جهاز التكييف أساساً.

لهذا لا تقتصر الاستجابة على مطالبة الأفراد برفع درجة ضبط الجهاز، بل تشمل تصميم المباني وكفاءة المعدات ونوعية شبكة الكهرباء.

الفقراء قد يكونون الأكثر عرضة للخطر

تكشف الدراسة أيضاً جانباً اجتماعياً مهماً.

فالأسر منخفضة الدخل قد تعيش في مساكن أقل عزلاً وأكثر عرضة لاكتساب الحرارة، لكنها في الوقت نفسه قد تتردد في تشغيل التكييف بسبب تكلفة الكهرباء.

وخلال موجات الحر الشديدة، يمكن أن يتحول ارتفاع فاتورة الكهرباء إلى عامل صحي مباشر إذا أجبر السكان على تقليل التبريد إلى مستويات غير آمنة.

ولهذا تشمل السياسات الفعالة برامج دعم الكهرباء أثناء موجات الحر، ومراكز تبريد عامة، وتحسين المساكن القديمة، وتوفير أجهزة أكثر كفاءة للأسر الأكثر تعرضاً للخطر.

الشبكة الكهربائية تدخل المعادلة

ارتفاع الطلب المتزامن على الكهرباء أثناء موجات الحر يضع شبكات الطاقة تحت ضغط شديد.

وفي حالات الذروة، قد يؤدي تشغيل ملايين أجهزة التكييف في الوقت نفسه إلى زيادة احتمال الأعطال أو الانقطاعات، وهي المفارقة الأخطر: انقطاع الكهرباء في اللحظة التي تكون فيها الحاجة إلى التبريد في أعلى مستوياتها.

لذلك تصبح خطط تعزيز قدرة الشبكات والتخزين الكهربائي وإدارة الطلب جزءاً من سياسة الصحة العامة، لا مجرد مسألة هندسية.

الدراسة لا تعني أن لكل شخص درجة مثالية واحدة

اعتمد البحث على تحليل واسع للوفيات ودرجات الحرارة وأنماط استخدام التكييف، لكنه يبقى دراسة رصدية قائمة على نماذج إحصائية ومكانية.

وهذا يعني أن الرقم المقدر للوفيات التي جرى تجنبها لا يمثل عدداً ثابتاً يتكرر كل عام، بل متوسطاً مستنتجاً من البيانات التي تناولتها الدراسة.

كما لا يمكن استخدام النتائج لتحديد درجة حرارة مثالية لكل فرد بمعزل عن العمر والصحة والرطوبة ونوعية المنزل.

أوروبا والعالم يواجهان طلباً متصاعداً على التبريد

لا تقتصر القضية على الولايات المتحدة.

فمع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة تواتر موجات الحر، يتوسع استخدام التكييف في مناطق لم تكن تعتمد عليه تاريخياً بالمستوى نفسه.

وقد ارتفع عدد الأيام التي تحتاج فيها المباني إلى التبريد في أجزاء من أوروبا بصورة واضحة منذ تسعينيات القرن الماضي، فيما يتزايد الطلب سريعاً في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا.

ويعني ذلك أن كفاءة أجهزة التبريد ومصادر الكهرباء التي تغذيها ستصبح عوامل أكثر تأثيراً في مسار الطلب العالمي على الطاقة.

دراسة: التكييف ينقذ آلاف الأرواح سنوياً لكن الإفراط فيه يفاقم العبء المناخي

ليست معادلة بين الصحة والمناخ

الرسالة الأهم التي تقدمها الدراسة هي أن النقاش لا يجب أن يتحول إلى اختيار بين إنقاذ الأرواح وخفض الانبعاثات.

فمنع التكييف أو تقليصه بصورة عشوائية خلال موجات الحر قد يعرض حياة أشخاص للخطر، بينما الاستهلاك غير الكفؤ يرفع الطلب على الطاقة بلا فائدة صحية متناسبة.

الحل يكمن في توجيه التبريد إلى حيث تكون الحاجة أكبر، ورفع كفاءة الأجهزة والمباني، وتحسين شبكات الكهرباء، وزيادة الاعتماد على مصادر طاقة أقل انبعاثاً.

بهذا المعنى، يصبح التكييف جزءاً من البنية التحتية الصحية للمدن الحديثة: القدر المناسب منه قد ينقذ حياة، أما الاعتماد المفرط على تبريد غير كفؤ وطاقة عالية الكربون فيمكن أن يزيد المشكلة المناخية التي جعلته ضرورياً أصلاً.

emaratpress.com — دراسة: التكييف ينقذ آلاف الأرواح سنوياً لكن الإفراط فيه يفاقم العبء المناخي
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى