منوعات

«من ينقذك؟»: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي كتابة المشاهد العربية

تحوّل ترند جديد يحمل اسم «من ينقذك؟» أو Save Yourself إلى واحدة من أكثر الظواهر انتشارًا على منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة، بعدما بدأ المستخدمون في توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لصناعة مقاطع قصيرة تعيد تخيل مواقف درامية وكوميدية شهيرة، ولكن بنهايات مختلفة تمامًا عن تلك التي يعرفها الجمهور.

الفكرة تبدو بسيطة: شخص يقف في موقف خطر، غالبًا على حافة السقوط، قبل أن تظهر شخصية أخرى تمد يدها لإنقاذه. لكن سر انتشار الترند لا يكمن في المشهد نفسه، بل في اختيار «المنقذ»، الذي قد يكون صديقًا أو شقيقًا أو شخصية من مسلسل شهير، وأحيانًا نسخة أخرى من الشخص نفسه.

وخلال فترة قصيرة، انتقلت الفكرة من مقاطع فردية إلى عشرات النسخ التي تستخدم شخصيات من السينما والدراما العربية، لتصبح مساحة مفتوحة للسخرية والحنين وإعادة كتابة مشاهد حفظها الجمهور عن ظهر قلب.

«من ينقذك؟»: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي كتابة المشاهد العربية

من «الكبير أوي» إلى «اللعبة»

في مصر، ساهم استخدام شخصيات مألوفة من المسلسلات والأفلام في دفع الترند بسرعة إلى واجهة المنصات.

ظهرت شخصيات «مازو» و«وسيم» من مسلسل «اللعبة» في سيناريوهات إنقاذ جديدة، كما دخلت شخصيات «جوني» و«هجرس» من «الكبير أوي» إلى عالم المقاطع المولدة بالذكاء الاصطناعي.

ولم تتوقف التجربة عند الأعمال الحديثة، إذ لجأ المستخدمون إلى شخصيات من أعمال قديمة مثل «راجل وست ستات» و«الحقيقة والسراب» و«غبي منه فيه» و«أمير البحار»، في محاولة للجمع بين ذاكرة المشاهد العربي وأدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة.

ويعتمد كثير من هذه المقاطع على موسيقى موحدة تقريبًا، فيما تتغير الشخصيات والقصص من فيديو إلى آخر، الأمر الذي منح المستخدمين قالبًا جاهزًا يمكن إعادة إنتاجه بمئات الطرق.

لماذا ينتشر هذا النوع من الترندات؟

السبب الأول هو سهولة الفكرة.

المستخدم لا يحتاج إلى سيناريو طويل أو تصوير احترافي. صورة أو مجموعة صور وأداة ذكاء اصطناعي قادرة على تحريك الشخصيات يمكن أن تكون كافية لإنتاج المشهد.

أما السبب الثاني فهو ارتباط المقاطع بالعاطفة والذاكرة.

عندما يرى المشاهد شخصيتين يعرفهما منذ سنوات في موقف لم يحدث أصلًا داخل العمل الأصلي، يتولد عنصر المفاجأة، وهو أحد أهم العناصر التي تدفع المستخدم إلى مشاهدة المقطع حتى النهاية ومشاركته.

وتزداد الجاذبية عندما يكون بين الشخصيتين تاريخ معروف للجمهور؛ صداقة أو خلاف أو علاقة عائلية أو موقف شهير. عندها يتحول سؤال «من سينقذك؟» إلى لعبة بين المشاهد وذكرياته مع العمل الفني.

الذكاء الاصطناعي يغيّر شكل الترندات

اللافت أن موجة «من ينقذك؟» جاءت بعد سلسلة ترندات مشابهة استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحويل الصور الشخصية أو إعادة المستخدمين إلى حقب زمنية مختلفة.

وخلال الأيام الماضية، انتشرت أيضًا موجة «صورتي في الثمانينيات»، التي اعتمدت على توليد صور للمستخدمين كما لو كانوا يعيشون في تلك المرحلة، قبل أن تظهر موجة الإنقاذ الجديدة بأسلوب أكثر اعتمادًا على الفيديو والحركة.

وهذا التحول يكشف عن تغير واضح في طبيعة المحتوى الاجتماعي.

ففي السابق كان الترند يعتمد في كثير من الأحيان على رقصة أو أغنية أو تحدٍّ يمكن للمستخدم تصويره بنفسه. أما اليوم، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على صناعة مشاهد لم تحدث أصلًا، ووضع الأشخاص داخل سياقات بصرية كانت تحتاج سابقًا إلى فرق مونتاج ومؤثرات خاصة.

من المتلقي إلى صانع المشهد

هناك عنصر آخر يفسر قوة هذه الظاهرة، وهو أن المستخدم لم يعد مجرد متابع لشخصيات الأفلام والمسلسلات.

أصبح بإمكانه أخذ هذه الشخصيات وإعادة تركيب علاقاتها وصناعة نهاية جديدة لها.

يمكن مثلًا إعادة شخصية انتهى دورها في مسلسل قديم، ووضعها إلى جانب شخصية أخرى في مشهد لم يجمعهما قط. ويمكن تحويل مشهد مأساوي إلى كوميدي، أو العكس.

هذه الإمكانية تجعل الذكاء الاصطناعي أداة لإعادة تشكيل الثقافة الشعبية نفسها.

فالعمل الفني لم يعد ينتهي عند آخر حلقة أو المشهد الأخير في الفيلم، بل يمكن للجمهور الاستمرار في إعادة استخدام شخصياته وإنتاج سيناريوهات جانبية غير رسمية.

الجانب الإنساني وراء «من ينقذك؟»

ورغم الطابع الكوميدي لكثير من المقاطع، يحمل الترند في أساسه فكرة أكثر عاطفية.

فالسؤال «من سينقذك؟» يدفع المستخدم إلى اختيار الشخص الذي يراه الأقرب إليه عندما يكون في موقف صعب.

ولهذا ظهرت نسخ يكون فيها الأب أو الأم أو الصديق أو الأخ هو المنقذ، إلى جانب النسخ الساخرة المستوحاة من الشخصيات الفنية.

وفي بعض المقاطع، يكون الشخص الذي يمد يده للإنقاذ نسخة أخرى من الشخصية نفسها.

هذا النموذج تحديدًا أعطى الترند اسم «أنقذ نفسك»، وأدخل إليه معنى رمزيًا يمكن قراءته على أن الشخص قد يكون في النهاية المسؤول الأول عن إنقاذ ذاته.

المتعة لا تلغي سؤال الخصوصية

لكن الانتشار السريع لهذا النوع من الترندات أعاد أيضًا النقاش حول الصور التي يرفعها المستخدمون إلى خدمات الذكاء الاصطناعي.

فالمشاركة تتطلب في كثير من الحالات رفع صور شخصية واضحة إلى تطبيق أو منصة خارجية، وهو ما يجعل من المهم معرفة سياسة الخصوصية الخاصة بالخدمة، وكيف تتعامل مع الصور والبيانات، وما إذا كانت تحتفظ بها أو تستخدمها في تحسين أنظمتها.

وقد رافقت ترندات الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي الأخيرة تحذيرات من التعامل مع مشاركة الصور الشخصية باعتبارها خطوة عادية تمامًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بصور الأطفال أو المستندات أو الصور التي تحتوي على معلومات حساسة.

لذلك تبقى القاعدة الأبسط هي عدم رفع صورة حساسة إلى خدمة غير معروفة، وقراءة إعدادات الخصوصية قبل المشاركة في أي ترند.

موجة ستنتهي.. لكن الأسلوب سيبقى

كما يحدث مع معظم ظواهر التواصل الاجتماعي، قد يتراجع «من ينقذك؟» بعد أيام أو أسابيع ليحل محله ترند جديد.

لكن ما يبدو أكثر استمرارية هو الطريقة نفسها.

الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا مباشرًا من صناعة المحتوى الشعبي، وليس أداة تقنية منفصلة يستخدمها المتخصصون فقط.

والمستخدم الذي كان يحتاج قبل سنوات إلى برامج مونتاج معقدة أصبح يستطيع اليوم كتابة وصف قصير والحصول على مشهد متحرك خلال دقائق.

وهذا يعني أن الترند المقبل قد لا يكون رقصة جديدة أو تحديًا جديدًا فقط، بل قصة كاملة مولدة بالذكاء الاصطناعي.

وبين الحنين إلى شخصيات قديمة، والسخرية، وإعادة كتابة النهايات، نجح «من ينقذك؟» في تقديم نموذج واضح لشكل جديد من الترفيه الرقمي: الجمهور لم يعد يشاهد القصة فقط، بل أصبح قادرًا على إعادة صناعتها بنفسه.

المصادر: التلفزيون العربي، العربية/الحدث، وكالة عمون.

emaratpress.com — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى