اقتصاد

تراجع معظم بورصات الخليج مع هبوط برنت 2.5% ومتابعة استئناف صادرات ينبع

دخلت الأسواق المالية في الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الحذر، بعدما تراجعت معظم البورصات الخليجية بالتزامن مع تحركات حادة في أسعار النفط، وسط متابعة المستثمرين للمسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران وتأثيره المحتمل في إمدادات الطاقة وحركة الملاحة والتضخم العالمي.

وأظهرت تعاملات الثلاثاء 29 أيلول أن المستثمرين لم يتعاملوا مع عودة الاتصالات السياسية باعتبارها مؤشرًا كافيًا لانتهاء المخاطر، إذ أغلقت معظم أسواق الأسهم الخليجية على انخفاض، بينما سجل النفط تراجعًا ملحوظًا بعد ظهور مؤشرات على تعافي صادرات الخام من الشرق الأوسط.

الصورة الحالية تكشف مدى الترابط بين الجغرافيا السياسية والأسواق. فمجرد تحسن حركة صادرات النفط يؤدي إلى ضغوط هبوطية على الخام، بينما استمرار الضبابية السياسية يدفع المستثمرين في الأسهم إلى تجنب المخاطرة وانتظار إشارات أكثر وضوحًا.

تراجع معظم بورصات الخليج مع هبوط برنت 2.5% ومتابعة استئناف صادرات ينبع

السوق السعودية تتراجع وأرامكو تضغط على المؤشر

أنهى المؤشر الرئيسي للسوق السعودية تداولات الثلاثاء منخفضًا بنحو 1.2%، في واحدة من أبرز تحركات أسواق الخليج خلال الجلسة.

وجاء الضغط جزئيًا من سهم أرامكو السعودية، الذي تراجع بنحو 1.4%، في وقت أعاد فيه المستثمرون تقييم توقعاتهم لأسعار الطاقة بعد استئناف عمليات تحميل النفط من ميناء ينبع على البحر الأحمر.

وتحظى تطورات قطاع النفط بأهمية مضاعفة بالنسبة إلى السوق السعودية بسبب الوزن الكبير لشركات الطاقة والبتروكيماويات، إضافة إلى ارتباط الإيرادات النفطية بالنشاط الاقتصادي والاستثمارات الحكومية.

لكن المفارقة أن عودة جزء من صادرات النفط السعودية تشكل خبرًا إيجابيًا من زاوية الإمدادات والقدرة التشغيلية، فيما قد تضغط في الوقت نفسه على أسعار الخام عالميًا بسبب ارتفاع الكميات المتاحة في السوق.

ينبع يعود إلى العمل

أحد أهم التطورات التي أثرت في أسواق الطاقة كان استئناف السعودية تحميل النفط الخام والمنتجات المكررة من ميناء ينبع بعد إعادة تشغيل خط أنابيب شرق-غرب.

وكان الخط قد تعرض للتوقف بعد هجوم بطائرات مسيرة في 11 أيلول، قبل أن تستأنف العمليات تدريجيًا في وقت لاحق من الشهر.

وبحسب رويترز، بلغت التدفقات عبر الخط في الفترة الأخيرة نحو 2 إلى 2.65 مليون برميل يوميًا، مع توقعات بارتفاعها إلى ما بين 3 و4 ملايين برميل يوميًا، بينما تبلغ الطاقة القصوى للخط نحو 7 ملايين برميل يوميًا.

ويمثل خط شرق-غرب عنصرًا استراتيجيًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى السعودية، لأنه يسمح بنقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى البحر الأحمر، وبالتالي توفير مسار تصدير لا يعتمد بصورة مباشرة على مضيق هرمز.

وهذه الأهمية ازدادت خلال الفترة الحالية مع استمرار التوترات في الخليج واضطراب حركة الشحن عبر المضيق.

النفط يهبط 2.5%

في سوق الطاقة، تراجع خام برنت بنحو 2.5% في تسوية الثلاثاء، منخفضًا 2.69 دولار إلى 102.59 دولار للبرميل.

كما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 3.22 دولارات إلى 89.38 دولار للبرميل.

وجاء التراجع مع ظهور مؤشرات متزايدة على تحسن تدفقات الخام من الشرق الأوسط، خصوصًا بعد زيادة حركة الشحن عبر ينبع واستئناف بعض عمليات التصدير في المنطقة.

لكن الانخفاض اليومي لا يعكس بالضرورة نهاية الضغوط على سوق النفط.

فبرنت لا يزال يتجه لتحقيق مكاسب شهرية قوية تقارب 13% خلال أيلول، نتيجة المخاوف التي سيطرت على الأسواق بشأن الصراع الإقليمي وإمدادات الطاقة.

وهذا يعني أن السوق تعيش حاليًا صراعًا بين عاملين: تحسن الإمدادات الذي يضغط على الأسعار من جهة، والمخاطر الجيوسياسية التي تبقي علاوة مرتفعة للمخاطر من جهة أخرى.

قطر تحت ضغط الطاقة

وفي بورصة قطر، تراجع المؤشر الرئيسي بنحو 1.1%، بينما انخفض سهم بنك قطر الوطني بنحو 1%.

وتواجه السوق القطرية عاملًا إضافيًا يتمثل في استمرار الاضطرابات المتعلقة بشحنات الغاز الطبيعي المسال في ظل مشكلات الملاحة المرتبطة بمضيق هرمز.

وأشارت رويترز إلى استمرار بعض إخطارات القوة القاهرة المرتبطة بتسليمات قطر للطاقة، وهو تطور تتابعه الأسواق عن كثب نظرًا إلى الوزن الكبير لقطر في تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا.

ويُظهر ذلك أن أزمة الطاقة الحالية لا تقتصر على النفط، بل تمتد إلى الغاز وأسعار الكهرباء والصناعة والشحن، وهي عوامل يمكن أن تنتقل آثارها لاحقًا إلى الاقتصادات المستوردة للطاقة.

دبي وأبوظبي ومصر تتراجع أيضًا

لم تكن الضغوط محصورة بالسعودية وقطر.

فقد تراجع مؤشر سوق دبي بنحو 0.2%، متأثرًا من بين عوامل أخرى بانخفاض سهم سالك بنسبة 1.6%، في حين خسر مؤشر أبوظبي نحو 0.3%.

وفي مصر، أنهى مؤشر الأسهم القيادية التداولات منخفضًا بنحو 0.3%.

وتشير هذه التحركات المتزامنة إلى أن المستثمرين في المنطقة يتعاملون بحذر مع المرحلة الحالية، رغم الاختلافات بين اقتصادات وأسواق الخليج ومصر.

فالمشكلة الرئيسية ليست في أداء شركة واحدة أو قطاع واحد، بل في مجموعة مترابطة من المتغيرات تشمل أسعار الطاقة والفائدة الأميركية والتضخم والتوترات الجيوسياسية.

الفائدة الأميركية تدخل المعادلة

لا تنحصر ضغوط الأسواق في الشرق الأوسط.

الأسواق العالمية تراقب أيضًا السياسة النقدية الأميركية، بعد ارتفاع عوائد السندات إلى مستويات مرتفعة تاريخيًا.

وسجل عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عامًا نحو 5.62%، وهو مستوى لم يُشهد منذ أكثر من عقدين، بينما تحرك عائد السندات لأجل عشر سنوات قرب أعلى مستوياته منذ 2007.

لكن تصريحات رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون وليامز، التي أشار فيها إلى عدم وجود حاجة ملحة لرفع الفائدة، دفعت المستثمرين إلى خفض توقعاتهم بشأن زيادة جديدة للفائدة في تشرين الأول.

وتراجعت التوقعات الضمنية لرفع الفائدة من نحو 70% إلى قرابة 50% خلال الجلسة.

بالنسبة إلى الأسواق الخليجية، تكتسب هذه التطورات أهمية كبيرة لأن العديد من عملات المنطقة مرتبطة بالدولار، ما يجعل تحركات السياسة النقدية الأميركية ذات تأثير مباشر في تكلفة التمويل والسيولة والتقييمات السوقية.

لماذا الذهب والنفط والأسهم تتحرك معًا؟

المشهد الحالي يعكس شبكة معقدة من العلاقات.

ارتفاع النفط يزيد مخاطر التضخم، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

الفائدة المرتفعة تجعل السندات أكثر جاذبية مقارنة بالأسهم، وترفع تكلفة الاقتراض على الشركات والمستهلكين.

وفي المقابل، تراجع النفط يمكن أن يخفف مخاوف التضخم ويمنح أسواق الأسهم بعض الراحة، لكن إذا كان الانخفاض مرتبطًا بتوقعات تباطؤ اقتصادي، فقد يتحول بدوره إلى إشارة سلبية.

ولهذا لا يمكن تفسير حركة السوق حاليًا بالنظر إلى سعر النفط وحده.

المستثمرون ينتظرون الإشارة التالية

الأسواق تدخل الأيام المقبلة أمام مجموعة من المحركات الحساسة.

أولها مسار الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران، إذ يمكن لأي تقدم ملموس أن يخفف علاوة المخاطر الجيوسياسية على النفط.

وثانيها استمرار تعافي صادرات الطاقة من المنطقة، خصوصًا عبر السعودية وممرات بديلة عن هرمز.

أما العامل الثالث فهو البيانات الاقتصادية الأميركية، وخصوصًا التضخم وسوق العمل، لأنها ستحدد بصورة كبيرة اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.

ولهذا تبدو البورصات الخليجية أمام مرحلة تتسم بارتفاع الحساسية للأخبار.

فالسوق لم تعد تقرأ نتائج الشركات بمعزل عن النفط، ولا أسعار النفط بمعزل عن السياسة، ولا السياسة بمعزل عن التضخم والفائدة.

وفي ظل هذا الترابط، تصبح عودة صادرات النفط من ينبع، أو تصريح بشأن المفاوضات، أو قراءة جديدة للتضخم الأميركي، أحداثًا قادرة على تغيير اتجاه مليارات الدولارات في الأسواق خلال ساعات.

المشهد الأوضح حاليًا هو أن المستثمرين لم ينتقلوا بعد من مرحلة الحذر إلى مرحلة الاطمئنان. تراجع النفط يمنح الاقتصاد العالمي بعض التنفس، لكن بقاء الأسعار فوق 100 دولار لخام برنت، إلى جانب الفائدة المرتفعة والتوترات الإقليمية، يعني أن التقلب قد يبقى العنوان الأساسي للأسواق خلال الفترة المقبلة.

المصادر: وكالة رويترز – بيانات إغلاقات أسواق الخليج وأسواق الطاقة العالمية بتاريخ 29 أيلول 2026.

emaratpress.com — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى